السيد كمال الحيدري
57
اللباب في تفسير الكتاب
ذلك والقرآن كلامٌ عربىّ مبين ، بل هو أفصح الكلام ، ومن ثمّ ليس بين آيات القرآن آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها . وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الذي تنطبق عليه المفاهيم اللفظيّة من مفردها ومركّبها ، وفى المدلول التصوّرى والتصديقى . توضيحه : إنّ الأُنس والعادة يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادّية أو ما يتعلّق بالمادّة ، لأنّها هي التي تتقلّب فيها أبداننا وقوانا المتعلّقة بها ما دمنا في الحياة الدنيويّة . فإذا سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرِّضا والغضب والخلق والأمر ، كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات والمصاديق المادّية لمفاهيمها . وكذا إذا سمعنا ألفاظ السماء والأرض واللوح والقلم والعرش والكرسي والملك وأجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجِله إلى غير ذلك ، كان المتبادر إلى أفهامنا مصاديقها الطبيعيّة . وإذا سمعنا : أنّ الله خلق العالم وفعل كذا وأراد أو يريد أو شاء أو يشاء كذا ، قيّدنا الفعل بالزمان حملًا على المعهود عندنا . وإذا سمعنا نحو قوله تعالى : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق : 35 ) ، وقوله : ( لأتخذنه من لدنا ) ( الأنبياء : 17 ) وقوله : ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ) ( الشورى : 36 ) وقوله : ( ثم اليه ترجعون ) ( البقرة : 28 ) قيّدنا معنى الحضور بالمكان ، وإذا سمعنا نحو قوله : ( وإذا أردنا ان نهلك قريه ) ( الإسراء : 16 ) ، أو قوله : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ ) ( القصص : 5 ) ، أو قوله : ( يريد الله بكم اليسر ) ( البقرة : 185 ) ، فهمنا أنّ الجميع سنخ واحد من الإرادة ، لِما أنّ الأمر على ذلك في ما عندنا ، وعلى هذا القياس . هذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة فيما بيننا ، ولا غضاضة في ذلك ؛ لأنّ الذي أوجب علينا وضع هذه الألفاظ إنّما هي الحاجة الاجتماعيّة إلى التفهيم والتفهّم ، ومن الواضح أنّ حاجة الإنسان إلى الاجتماع إنّما هو ليستكمل به في